محمد سعيد رمضان البوطي

218

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

المدينة ، بل اشترك معهم بنو قريظة الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بعهود ومواثيق مع المسلمين ، دون أن يجدوا منهم أي مكروه من شأنه أن يدعوهم إلى نقض تلك العهود والمواثيق ! . . ولم نعد بحاجة إلى أن نعلّق على هذا ونحوه ، ونستنبط منه العظات أو الدروس ، فهو من جليات الأمور التي أصبحت من المقولات التاريخية المعروفة في كل زمان ومكان . ولنعد الآن إلى هذا الذي استعرضناه من وقائع هذه الغزوة ومشاهدها لنقف على ما تنطوي عليه من دروس وعظات وأحكام ، وسنلخصها في الأمور التالية : أولا : لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق ، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة في التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق ، إذ هو مما كان متعارفا بين الأعاجم فقط ، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي ، وقد رأيت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان مادعا أصحابه إلى القيام بتحقيقها . وهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن ، فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره ، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة ، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها ، أينما لاح لهم ذلك ، وحيثما وجد . فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد ، هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله ، وإذا كان المسلم كذلك ، فهو ولا ريب ، لا يمكن أن يربط في عنقه زماما يسلّم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة ، وهو أيضا لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلّم به العقل النيّر والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه . وهذا السلوك الذي شرعه اللّه للمسلم ، إنما ينبع من أصل أساسي هو الكرامة التي فطر اللّه الإنسان عليها إذ قضت مشيئته أن يكون هو سيد المخلوقات . وما ممارسة العبودية للّه تعالى والتزام أحكام شريعته إلا ضمان لحفظ هذه الكرامة والسيادة . ثانيا : وفيما استعرضناه من مشهد عمل الصحابة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حفر الخندق ، عبرة بالغة كبرى ، توضح لك حقيقة المساواة التي يرسيها المجتمع الإسلامي بين جميع أفراده المسلمين ، وتكشف لك أن العدالة والمساواة ، ليستا في الاعتبار الإسلامي مجرد شعارات يزين بها ظاهر المجتمع أو يوضع منه في إطار لامع براق ، وإنما العدالة والمساواة هما الأساس الواقعي الذي تنبثق منه القيم والمبادئ الإسلامية عامة ظاهرا وباطنا .